أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

81

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ذلك : « ونصفه » يضطر إلى عوده إلى نظير ما عندك ، بخلاف ما نحن فيه . وقيل : يعود على « الليل » ، وقيل : يعود على « التّوفّي » وهو النوم ، أي : يوقظكم في خلال النوم . وقال الزمخشري : ثم يبعثكم من القبور في شأن الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل ، وكسب الآثام بالنهار انتهى . « وهو حسن . وخص « الليل » بالتّوفّي ، و « النهار » بالكسب ، وإن كان قد ينام في هذا ، ويكسب في الآخر ، اعتبارا بالحال الأغلب . وقدم التوفي بالليل ، لأنه أبلغ في المنّة عليهم ، ولا سيما عند من يخصّ الجرح بكسب الشر دون الخير . قوله : لِيُقْضى أَجَلٌ الجمهور على « لِيُقْضى » مبنيا للمفعول ، و « أَجَلٌ » رفع به . وفي الفاعل المحذوف احتمالان : أحدهما : أنه ضمير الباري تعالى . والثاني : أنه ضمير المخاطبين ، أي : لتقضوا ، أي : لتستوفوا آجالكم . وقرأ أبو رجاء وطلحة : « ليقضي » مبنيا للفاعل ، وهو اللّه تعالى ، « أجلا » مفعول ، و « مُسَمًّى » صفة ، فهو مرفوع على الأول ، ومنصوب على الثاني ، ويترتب على ذلك خلاف للقراء . في إمالة ألفه ، فقد أوضحته في شرح القصيد . واللام في « لِيُقْضى » متعلّقة بما قبلها من مجموع الفعلين ، أي : يتوفاكم ، ثمّ يبعثكم ، لأجل ذلك . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 61 ] وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ( 61 ) قوله : وَيُرْسِلُ . فيه خمسة أوجه : أحدها : أنه عطف على اسم الفاعل ، الواقع صلة ل « أل » ، لأنه في معنى « يفعل » . والتقدير : وهو الذي يقهر عباده ويرسل ، فعطف الفعل على الاسم ، لأنه في تأويله ومثله عند بعضهم : إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا « 1 » ، قالوا : ف « أَقْرَضُوا » عطف على « مصّدّقين » الواقع صلة ل « أل » ، لأنه في معنى : إنّ الذين تصدقوا وأقرضوا ، وهذا ليس بشيء ، لأنه يلزم من ذلك الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي ، وذلك أن « وَأَقْرَضُوا » من تمام صلة « أل » في « الْمُصَّدِّقِينَ » وقد عطف على الموصول قوله : « الْمُصَّدِّقاتِ » ، وهو أجنبي ، وقد تقرر غير مرة « 2 » أنه لا يتبع الموصول إلا بعد تمام صلته . وأما قوله تعالى : فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ « 3 » ، أي : وقابضات . ومن عطف الاسم على الفعل ، لكونه في تأويل الاسم قوله تعالى : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ « 4 » ، وقول الشاعر 1950 - فألفيته يوما يبير عدوّه * ومجر عطاء يستحقّ المعابرا « 5 » والثاني : أنها جملة فعلية ، عطفت على جملة اسمية ، وهي قوله : « وَهُوَ الْقاهِرُ » . والثالث : أنها معطوفة على الصلة ، وما عطف عليها ، وهو قوله : « يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ » ، وما بعده ، أي : وهو الذي يتوفاكم ويرسل .

--> ( 1 ) سورة الحديد ، آية ( 18 ) . ( 2 ) انظر الكلام على آية ( 185 ) ، من سورة آل عمران و ( 95 ) من سورة المائدة . ( 3 ) سورة الملك ، آية ( 19 ) . ( 4 ) سورة الأنعام ، آية ( 95 ) . ( 5 ) تقدم .